لم يعرف المارة في الشارع متى و أين وكيف   ظهر   هذا المخلوق  الأسود الضخم   , فلقد  رأوه  أمامهم فجأة كأن الأرض انشقت وألقت به في عرض الشارع .
ظنوا  أنه  ذئب أو سلعوة  ,  ولكنهم   أدركوا  أنه كلب عندما لمحوا تلك السلسلة الفضية الطويلة تحاصر  رقبته   .
تساءلوا أين هو صاحبه ولماذا يتركه يهيم في الشارع ويرعب الآمنين.
كان يركض  سريعا   ويقفز يمينا ويسارا ويطلق نباحا أشبه بالعواء ويفتح فاه  ويبرز للناس   مخالبه   المسنونة كحد  السكين , و كلما رأي  الخوف مزروعا على وجوههم     كلما نبش بأظافره في الأرض بعنف و ارتفع صوت نباحه حتى صم أذانهم  ودفعهم للمسارعة في الهروب منه  
فرغ الشارع  تماما  من الناس  ولكن بعد دقائق قليلة ظهرت في أول الشارع طفلة صغيرة ترتدي فستان أبيض  مزين بالنجوم  الملونة  وحذاء أبيض صغير كحذاء عرائس الباربي  .
 رأت الطفلة الكلب الأسود  يقف في منتصف الشارع وحيدا   .تهلل وجهها و أشارت بسبابتها إليه ثم تحركت ناحيته  .
جري  والدها ورائها  حتى يمنعها من الاقتراب منه  ولكنها لم تأبه بتحذيره  وظلت تجري باتجاه  الكلب  وهي تفتح ذراعيها  و الفرحة تتراقص  على  وجهها     بينما كان الناس ينظرون إليها  في ذهول مشوب  بالخوف   .
كاد  والدها أن يمسك بها ويبعدها عنه   ولكنه  تراجع عندما وجد الكلب  يقف بلا حراك كأنه لم يرها  فتركها تقف أمامه  .
رفعت رأسها لأعلى وتطلعت بعينيها الضيقتين  إلى عينيه الواسعتين السوداوين فصار وجهها مواجها لقوائمه التي تعادل ضعف وزنها.
انحني الكلب  أمامها ثم  فرد جسده على الأرض وأغمض عينيه  متظاهرا بالنوم . 
أمعنت النظر إلى لسانه الأحمر الطويل . ربتت على ظهره المقوس .  أدهشتها  البقع الصفراء المتناثرة على جلده الأسود الكاحل . تساءلت لماذا ذيله قصير رغم أن أذنيه طويلتين ؟ ولماذا جسده نحيف رغم ضخامة بنيته ؟
 أرادت أن تطرح تلك  الأسئلة على أبيها , ولكن لأنها لم تتقن بعد    لغة الكلام اجتهدت لكي تعثر على الحروف   .
وقبل أن تنطق   سمعت صوت صفير و فوجئت بالكلب ينتفض   واقفا , ثم رأت رجلا كبيرا يقترب منه ويمسك بسلسلته الفضية  .
عرفت أن هذا هو  صاحبه و أدركت أن وقت الوداع قد حان .
طوقت ذراعيها حول رقبته الشامخة  فتسللت إليها موجات من الدفء .
تطلع لها الكلب بنظرة  تحتوي على  رسالة  لم يلتقطها  عقلها ولكنها  لامست  قلبها وجعلته ينشرح .
 أمسك والدها بيدها وحثها على الرحيل  فمشت بجواره  وعيناها مصوبتان على الكلب  . أولى الكلب  ظهره  لها  ثم استدار بعد ثوان  وعاد يتطلع إليها    .
أشارت له بيديها وهتفت له مودعة  "  باي  بوبي " فظل يراقبها بطرف  عينه حتى اختفت من الشارع .


0 تعليقات