نحن في عالم لا تتحدد فيه عظمة الشيء أو الحدث إلا بالأرقام، ومن ثم لا يمكن استيعابها إلا بالأرقام، تتحدد عظمة نجاح باهر بحجم المبيعات وعظمة حدث أو عرض بنسبة مشاهديه وعظمة شخصية عامة بعدد من حضروا جنازته وعظمة المفكرين المشهورين بعدد الاستشهادات بأعمالهم.
تذكرت هذا المقطع من كتاب الحب السائل  للفليسوف البولندي زيمجومت باومان عندما وجدت نفسي الاحظ كثيرًا عبارة   ( الكتاب الأكثر مبيعًا أو الكتاب الذي باع ملايين النسخ حول العالم ) مكتوبة على أغلفة معظم الكتب الاجنبية المترجمة وكثير من الكتب العربية الشهيرة.
 هذه العبارة تضعها دور النشر بالبنط العريض كعلامة للجودة، وكوسيلة ترويجية لجذب القارئ من أجل شراء الكتب الشهيرة التي تربعت على قائمة الأكثر مبيعًا.
 قائمة الأكثر مبيعًا ليست ظاهرة جديدة، إنها أمر طبيعي ومتعارف عليه في كل مكتبات العالم لأن الثقافة في الدول الغربية صناعة، والكتب سلعة تقدمها دور النشر وتسوقها وسائل الاعلام وتبيعها المكتبات، ونجاح هذه السلعة يُقاس بحجم المبيعات وبقدرة الكتاب على تحقيق الربح للمكتبات ولدور النشر.
  معظم كتاب الغرب الكبار يفتخرون أن كتبهم ظلت متربعة على قائمة نيويورك تايمز لشهور أو باعت ملايين النسخ عكس أدباءنا العرب الذين يسخرون من هذه القائمة، ومن الكتاب الذي يحققون نجاحًا تجاريًا ربما لأننا كنا لفترة طويلة ننظر للكتاب باعتباره خدمة ثقافية وليست سلعة.
 هذه النظرة تغيرت بعد أن صارت المجتمعات العربية مثل نظيرتها الغربية مجتمعات استهلاكية بامتياز وصار كل شيء فيها معروض للبيع والشراء حتى الأشياء المعنوية مثل المعرفة والثقافة، وبعد أن تم إنشاء العديد من دور النشر والمكتبات الخاصة تحول الكتاب مثل كل شيء إلى سلعة استهلاكية، لذلك نجد احتفاءً واهتمامًا كبيرًا بالكتب التي تدخل قائمة البيست سيلر وتبيع عدة طبعات في أسابيع قليلة، ونجد القراء يتأثرون بهذه الدعاية ويتهافتون على شراء تلك الكتب.
كثير من الناس يتأثرون بالأرقام ويعتقدون أنها المقياس الأفضل لتحديد أهمية الكتب، فالأرقام صماء ومحايدة لا يمكن أن تكذب أو تجامل أحد، والقراء لا يمكن أن يدفعون أموالهم ويقبلون على شراء كتاب عديم القيمة.
 لكن هل هذا صحيح؟
هل المبيعات هي أفضل وسيلة لمعرفة مدى جودة وأهمية الكتاب ؟، وهل الكتب الممتازة والأعمال الادبية الرائعة لابد أن تبيع عشرات الطبعات ؟، وهل الأعمال الادبية التي لا تحقق مبيعات كبيرة هي بالضرورة أعمال ضعيفة فنيًا ولا تستحق الاقتناء؟
الواقع يؤكد عكس ذلك تمامًا.
إذا اطلعت على بعض الكتب الاجنبية والعربية الشهيرة التي تتربع على قائمة الأكثر مبيعًا فربما تفاجئ أن بعضها سيء وضعيف، وبعضها في أفضل الأحوال متوسط المستوى وقليل منها يمكن أن نصفه بأنه جيد ويستحق القراءة، الأمثلة على ذلك عديدة ومن أشهرها رواية امريكية صدرت من عدة أعوام اسمها خمسون درجة من اللون الرمادي أو
Fifty Shades Of Grey
هذه الرواية المصنفة ضمن الأدب الإباحي حققت نجاحاً ساحقاً وباعت ملايين النسخ، واحتلت قائمة البيست سيلر لفترة طويلة وتحولت إلى فيلم سينمائي شهير.
 رغم شهرة الرواية ونجاحها في تحقيق مبيعات ضخمة إلا أنها حصلت على تقييم ضعيف من النقاد وكذلك من العديد من القراء الذين اقبلوها على شرائها بسبب شهرتها ثم فوجئوا بمستواها الأدبي الضعيف.
نفس الأمر يتكرر في العالم العربي إذ نرى العديد من الكتب التافهة والروايات الضعيفة تدخل قائمة البيست سيلر وتحقق مبيعات كبيرة ويتهافت القراء على شرائها ثم نجدهم يعطوها تقييما ضعيفا على موقع جود ريدز للكتب ويهاجمون مؤلفيها ويعلنون أنهم تعرضوا للخداع.
 في المقابل نجد أعمالا ادبية كثيرة مهمة رفيعة المستوى تفوز بجوائز أدبية ويثني عليها النقاد، ورغم ذلك لا تحقق مبيعات كبيرة ولا يقبل عليها الناس.
 لماذا تحقق الكتب التافهة والضعيفة نجاحًا تجاريًا أضخم من الكتب الجيدة والعظيمة ؟، وهل نجاح تلك الكتب راجع إلى فساد ذوق القراء المعاصرين ؟، أم أن قائمة الأكثر مبيعًا خادعة ولا يمكن اتخاذها كمعيار لتقييم مستوى الكتب؟
في رأيي أن قائمة الأكثر مبيعا ليست خادعة لأن هدفها هو تقييم حجم مبيعات الكتب فقط وليس تقييم جودتها، والسبب الرئيسي لنجاح الكتب الخفيفة أو التافهة في تحقيق مبيعات كبيرة هو أن القارئ المعاصر لا ينظر للكتاب باعتباره عملًا فنًيا يستحق أن يستكشفه ويشتبك معه ويفهمه ويستمتع به، ولكن باعتباره سلعة استهلاكية لابد أن تحقق له فائدة مباشرة وسريعة.
هذا ما يفسر نجاح الكتب الساخرة والروايات البوليسية وكتب التنمية البشرية.
هذه الكتب والتي عادة ما تكون مكتوبة بطريقة سهلة ومباشرة يقتنيها القارئ لكي يتسلى بها أثناء السفر أو أثناء ركوبه المواصلات أو انتظاره للطبيب في العيادة.  ينفصل عن الواقع ويحصل على بعض الضحكات أو يشعر بالتشويق لإنهاء القصة أو يحصل على نصائح في الحب والزواج والعمل بطريقة لطيفة وعملية.
في المقابل نجد تراجعًا كبيرًا في مبيعات كتب الشعر والخواطر والمسرحيات والروايات التاريخية والفلسفية العميقة لأنها اعمال فنية معقدة تحتاج مجهودًا ذهنيًا لقراءتها ولا يمكن أن تتحول لسلع استهلاكية.
المستهلك يريد كتابا سهل الهضم، خفيف المحتوى، مباشر، صفحاته قليلة ويمكن الانتهاء منه سريعا، إنه لا يملك الوقت لقراءة  كتاب يتطلب منه التمهل والتركيز والتأمل.
 الاديب البرتغالي افونسو كروش عبر عن أزمة الأدب المعاصر في روايته الجميلة والساخرة هيا نشتر شاعرًا. تحكي الرواية قصة فتاة صغيرة بشاعر معروض للبيع في أحد المحلات وتقرر شراءه رغم معارضة أهلها وأصدقائها الذين لا يرون في الشعر أي فائدة مادية أو نفع مباشر، ولكنها تظل متمسكة به لأنها تحب أشعاره وفلسفته في الحياة.
  يسخر كروش عبر هذه الرواية من عالمنا المادي الاستهلاكي التي يسيطر عليه الهوس بالأرقام، والذي تحول فيه كل شيء إلى سلعة للبيع حتى الثقافة والشعر.
من المؤكد أن أرقام المبيعات مهمة بالنسبة للمكتبات ودور النشر لأنها تعني بالنسبة لهم أن المنتج الذي قدموه للقراء حقق الأرباح التي يريدونها، ولكنها مقياس غير دقيق لتحديد مدى جودة العمل الادبي وأهميته. العديد من الأعمال الادبية التي دخلت التاريخ وتربعت على قوائم أفضل الاعمال العالمية مثل رواية موبي ديك للكاتب الامريكي هيرمان ميلفيل وروايات الكاتب التشيكي فرانز كافكا لم تحقق نجاحا تجاريًا كبيرًا وقت صدورها لكن مع مرور الزمان أُعيد اكتشافها ونالت التقدير الفني والجماهيري الذي تستحقه. هذا لا يعني أن كل كتاب أخفق تجاريًا بالضرورة عظيم وسوف يعيش مع الزمان أو أن كل كتاب ناجح تجاريا بالضرورة سيء.
 لكن من المهم أن ندرك أن الجودة الفنية والابداع لا يؤديان بالضرورة إلى النجاح التجاري وأن النجاح التجاري لا يعني بالضرورة العظمة والاهمية،
 الكتب لا يٌمكن أن تعامل كسلعة مثل الطعام الذي إن لم يشتريه المستهلك فورًا سوف يفسد ويصبح مصيره المحتوم سلة المهملات. لو اضطررنا أن نتعامل مع الكتب كسلعة فلابد أن نراها سلعة معمرة وليست سلعة استهلاكية أو موضة عابرة، إنك عندما تشتري كتابا جيدًا تحصل على صديق حقيقي يمكن أن يؤنس وحدتك ويوسع مداركك ويعيش معك للأبد، لا تتسرع في اختيار كتابك الجديد ولا تنخدع بكثرة الدعايات عن الكتب التي باعت ألاف الطبعات بدون أن تتأكد من محتوى هذه الكتب حتى تهدر نقودك على حفنة من الاوراق تحتوي على هُراء.

2 تعليقات

  1. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف
  2. اوافقك الرأي، وقد بحثت عنا يؤيد رأي هذا ووجدت مقالتك. لقد قرأت رواية المريضة الصامتة ولم اجد فيها مايمت بصلة الى الادب بشكله الراقي. وبحثت بعد ذلك على اهمية قائمة النيويورك تايمز لاعلى الكتب مبيعا، فوجدت انها قيمة تجارية بحتة تبرر فوز هذه الرواية بهذه المكانة.

    ردحذف

رأيك يهمني اترك تعليقك على ما قرأته