لدي هواية سرية  أقوم بها وحدي على الأقل  ثلاث مرات  في اليوم.
في الصباح بعد أن أتناول إفطاري افتح الشرفة  واتطلع إلى أعلي ,عيني تحارب الكتل الاسمنتية التي تغطي الأفق حتى أجد أكبر مساحة يمكن أن تطلع منها  إلى السماء, أشعر بالنشوة عندما أراها صافية وزاهية وخالية من الغيوم.

  استمتع بتأمل السحب بأشكالها الغربية وحركتها البطيئة, أرى دائما تشابهات بين أشكال السحب والأشياء التي أعرفها, غزل البنات, ذقن رجل عجوز, بيت كبير , سجادة بيضاء, وجه غاضب أو ضاحك , شجيرات كثيفة.

 ألمح سرب من الطيور يحلق سريعا ويمر فوقي كأنه نقاط سوداء تتناثر ثم تتداخل وما تلبث أن تمضي بعيدا, أحسد الطيور لأنها تنول متعة القرب من السماء وتسبح فيها كل يوم بحرية وخفة. ألمح طائرة تعبر من بعيد, أرى ضوئها يومض وينطفئ, أحاول أن أخمن وجهتها, أشعر بالحزن على ركابها لو كانوا عائدين وأشعر بالفرح من أجلهم لو كانوا مسافرين, أفكر في السفر ثم يبدو لي أن لمس السحب أقرب لي من تحقيق أمنيتي . اترك السماء وأنا اشعر بالانتعاش.


في المساء وبالتحديد عند موعد الغروب أفتح الشرفة, أراقب الضوء وهو ينسحب تدريجيا  من الكون وأتطلع إلى كرنفال الألوان الذي تتركه الشمس قبل أن ترحل مؤقتا, البرتقالي والقرمزي والرمادي والأصفر يمتزجون ويشكلون لونا جديدا خلابا لا مثيل له.
عند منتصف الليل أنظر من الشرفة فأرى النجوم تتوهج وتنطفئ , أتذكر أن هذه النجوم الصغيرة في الحقيقة أكبر مني وعمرها أطول من عمري بآلاف السنين, أتطلع إليها بشغف واتحدث معها, أبث لي همي وأطلب منها أن تخبرني بما يخبئه المستقبل لي فتبتسم وتصمت وتقول لي المستقبل ليس مهما, المهم هو اللحظة الحالية. 

أتهلل عندما أرى القمر يحارب العمارات الشاهقة ويبزغ وينشر ضوئه الفضي في الكون, جماله وألقه يبهرني ويجعلني عاجزة عن الكلام. أنسى نفسي وأنا أتأمل تضاريسه والهالة الشفافة التي تحيط به وتزيده جمالا على جمال. انتظر حتى يمضي ثم أعود لغرفتي وأنا أشعر أن نوره بدد  احزاني.

التطلع إلى السماء يبدو شيئا لا يقوم به سوى العشاق الرومانسيين الحالمين  أو علماء الفلك والفضاء, ولكني أدعي أنني لست إنسانة رومانسية ورغم ذلك فأنا أجد في التطلع إلى السماء أفضل وسيلة للهروب من القلق والتخلص من الهموم ورفع الروح المعنوية والحصول على الحكمة. عندما تتطلع إلى السماء كل مرة  لن تجدها على نفس الحال, أحيانا  تراها صافية ونقية تماما,  أحيانا ترى  سحبًا صغيرة وكبيرة تملأها , أحيانا تراها رمادية وملبدة بالغيوم وأحيانا ترى فيها الرعد والبرق وتشاهد الأمطار وهي تتساقط منها بغزارة, ولكن لو انتظرت قليلا ستجد الأمطار توقفت والغيوم مهما كبر حجمها  تلاشت والشمس عادت لتشرق والسماء عادت لزرقتها الطبيعية. هكذا هي الحياة  تمتلأ كثيرا بالمشاكل والهموم والعقبات  ومهما بدت تلك المشاكل كبيرة  وضخمة مثل الغيوم ومهما بدت مخيفة مثل الرعد والبرق, ومهما أغرقت الحياة أو عطلتها مثل الأمطار فإنها لابد أن تمضي وتختفي من سماء حياتنا, إننا أنفسنا مثل السحب نصغر ونكبر ثم نمضي ونتلاشى كأن لم يكن لنا وجود بينما تبقى السماء كما هي.
التطلع إلى السماء يعيد لي التوزان النفسي لأنه يدفعني للخروج من سجن العقل وتيار الأفكار الذي لا ينقطع أبدا , ويجعلني أدرك أن الحياة أكبر من قدرتي على التصور, إنها مثل السماء شاسعة وليس لها حدود. التطلع إلى النجوم والقمر يجعلني أدرك أنني لست  مركز الكون وأن الأرض التي انتمي إليها هي كوكب واحد  من أحد كواكب المجموعة الشمسية وأن مجرة درب التبانة التي تنتمي الأرض إليها توجد مثلها ملايين المجرات, وإنني مجرد نقطة في بحر هذا الكون الواسع, إدراكي لضآلتي يجعلني أخرج من ذاتيتي فأرى مشاكلي وهمومي اليومية تافهة التطلع إلى السماء علمني أن أرفع رأسي لأعلى رغم أنني أعيش في بلد يعتاد فيه الناس على السير  منكسي الرؤوس ويثبتون عيونهم على الأرض كأنهم مذنبين, السير برأس منكس سهل لأن الجسد دائما ينجذب إلى الأرض التي جاء منها وسيعود إليها ولكني أحاول أن أقاوم الجاذبية الأرضية وأصر على رفع رأسي لأعلى , ينظر الناس لي ويسألونني إلى ماذا تنظرين ؟, أقول لهم أنظر إلى السماء أليست جميلة؟ , يرفعون رؤوسهم لأعلى ثم ينظرون لها لثوانٍ ولكن نظراتهم لا تطول لأنهم لا يجدون شيئا خارقا يستحق التأمل وتعود عيونهم للتركيز على الأرض مجددا ويعودون للانشغال بالحديث والشكوى, أشعر بالشفقة عليهم لأنهم عاجزون عن الإحساس بجمال السماء والاستمتاع بها لأنهم اعتادوا على وجودها منذ أن ولدوا وباتوا يرون جمالها الخارق شيء عادي, الناس عادة ما يعتقدون أنهم لابد أن يدفعوا أموالا طائلة ويسافرون إلى دول أخرى حتى يحصلون على المتعة ويتجاهلون أن هناك مصادر للمتعة مجانية وموجودة فوق رؤوسهم طول الوقت.

عندما تشعر أن  حياتك ضيقة ارفع رأسك وتطلع إلى السماء. لا تتطلع إليها على عجل , تأملها جيدا واتركها لكي تحتويك باتساعها, وتذكر أن ما يربطك بالسماء أكبر مما يربطك بالأرض.
    

0 تعليقات