أشعر بيد قوية تهز جسدي, أفتح عيني بصعوبة , أسمع صوت أمي تهتف: " الساعة سبعة الا ربع الاتوبيس هيفوتك  ". انتفض من فراشي .
 ثم أهرع نحو الحمام ,  , أرفض تناول الافطار حتى لا أتأخر في النزول  , ارتدي ملابس المدرسة على عجل , تصر أمي على إطعامي بأن تضع لي شطائر المربى والبيض في الحقيبة , الساعة تقارب السابعة , اسمع صوت بوق أتوبيس المدرسة يتصاعد.
افتح الباب وأقفز فوق السلالم كلاعبي الاكروبات , أرى الاتوبيس يمر أمامي في الشارع الرئيسي , اجري ورائه صائحة " استنوا ".
يتوقف الاتوبيس فأفتح بابه وأصعد داخله وأنا ألهث , يرمقني السائق بنظرة آمرة " متبقيش تتأخري تاني ."
أومىء برأسي له معتذرة وأجلس في مقعدي الواقع في الصف الثاني, يسير الاتوبيس بسرعة بينما أنظر إلى النافذة بعينين نصف مغمضتين .
أدخل المدرسة مع باقي الطلبة والطالبات, أسمع رنين جرس الطابور, أقف في الصف مع زميلاتي, اتثاءب  وأنا أستمع للأخبار التي يلقيها الطلبة في الإذاعة المدرسية, أشعر بلسعة الخيزران تلهب كتفي , يدوي صوت مدرسة التربية الرياضية  المزعج في أذني : " أنا مش نبهت عليكي قبل كده ان التوك الملونة ممنوعة , احنا في مدرسة مش في كباريه ". تشد رأسي للوراء وتنزع التوكة الصفراء التي ارتديها من شعري بعنف .
 أنظر في الأرض وأنا أتأسف لها وأتوسل إليها حتى تعيد لي التوكة لأنها هدية أمي لي في عيد ميلادي ولكنها ترفض وتصر على الاحتفاظ بالتوكة عقابا لي على مخالفة قواعد المدرسة.
أطوق شعري المنسدل على كتفي بيدي وأنا أغرق في الحرج, تربت زميلتي سارة على كتفي لتواسيني ثم تعطيني أستك مطاط لأربط به شعري. ينتهي الطابور وأصعد مع باقي الطلبة والطالبات في صف طويل نحو الفصل, يتقاطع الصف الذي أسير فيه مع الصف الذي يسير فيه مروان زميلي, يمنحني ابتسامة حنونة ويلقي علي تحية الصباح فأرد عليه بصوت خفيض, ابتسامته تبدد الكآبة التي اجتاحتني بعد انتزاع التوكة مني, نصل إلى الطابق الأول, أراه يحرك شفتيه ويتحدث معي ولكني ضجيج الطلبة يمنعني من فهم إلى ما يقوله, أطلب منه أن يعيد كلامه , ولكن مشرفة الدور تأمرنا بدخول فصولنا فاضطر للابتعاد عنه , وأدخل مع الفتيات إلى فصل 3 أول بينما يدخل مروان مع الأولاد إلى فصل 3 ثاني. 
اجلس بجوار سارة في الصف الثالث , يبدأ اليوم الدراسي بحصة اللغة العربية ولكني لا استطيع الانصات  لكلام المدرس  طويلا وأجد نفسي أنظر من النافذة نحو نافذة فصل 3 ثاني , تتراءى ابتسامة مروان في مخيلتي , أفكر فيه و أحاول تخمين ما كان يقوله لي ولكني أفشل.
تنتهي حصة اللغة العربية وتبدأ حصة الرياضيات فيطلب مستر صلاح من الجميع أن يخرجوا كراسة الحصة وكراسة الواجب, أفتح حقيبتي وأتمكن من اخراج كراسة الحصة ولكني لا أجد كراسة الواجب , أفتش بهمة بين الكراسات مرارا وتكرارا ولكن بدون جدوى, أشعر بالغيظ , أين ذهبت الكراسة ؟. أنا متأكدة اني وضعتها في الحقيبة بعد أن انتهيت من أداء الواجب , تتسارع دقات قلبي بينما يقترب المدرس مني ويأمرني بإخراج الكراسة فأنظر إلى الأرض وأنا أعتذر له لأني فتشت عن الكراسة ولم أجدها , أعده بإحضارها غدا. يهز رأسه في استياء ويطلب مني الوقوف فأقف وجسدي يرتجف وقدمي تحملني بصعوبة.
يأمرني بفتح يدي , انحني وأقسم له بصوت متهدج أنني أديت الواجب وأنني نسيت إحضار الكراسة رغما عني , أتوسل إليه أن يعفيني من العقاب هذه المرة, لكنه يصر أن العقاب هو خير منبه لي حتى أتذكر إحضار الكراسة غدا.
استسلم للأمر الواقع وأفتح يدي الصغيرة المرتعشة باستحياء ولكنه يأخذها مني ويشد ذراعي للأمام ثم يأخذ عصاه الخشبية ويضربها فوق يدي بحزم وثبات ثلاث ضربات على كل يد.
انكمش في مكاني , أتأوه في صمت, ألعن المدرس في سري بينما أحاول تدليك يدي الملتهبتين , تنتهي حصة الرياضيات  ولا ينتهي شعوري بالألم والاهانة.
يرن جرس الفسحة فأتنفس الصعداء , أتلكأ في الخروج من الفصل حتى لا اصطدم بالطلبة الكثيرين الذين يركضون على السلالم, أشعر بالجوع فأفتح حقيبتي بحثا عن شطائر البيض والمربى التي وضعتها أمي لي, لا أجدها, يتملكني الغيظ فأضرب الحقيبة بيدي المخضبة بلون الألم , لماذا يختفي كل شيء داخل تلك الحقيبة التي تشبه جراب الساحر ؟.
أترك الحقيبة وأترك الفصل وأنزل إلى الفناء, أقابل مروان مرة أخرى , يحييني ويطلب الحديث معي فأطلب منه أن ينتظرني حتى أشتري لنفسي بسكويت من الكانتين  لأني أتضور من الجوع.  
أرى عشرات الطلبة والطالبات يتزاحمون أمام شباك الكانتين ويعطون النقود البائعة التي تقف وراء شباك حديدي وتطلب منهم الهدوء  لتبدأ في إعطائهم طلباتهم , أحاول أن أحشر نفسي بينهم ولكنهم يدفعونني للخلف, الزحام يزداد , الجوع يدفعني لكي أصارعهم وأتعارك معهم حتى, أتمكن أخيرا من مد يدي داخل الشباك الحديدي , أطلب من البائعة أن تعطيني بسكويت بالشيكولاتة , بعد أن أخذ منها البسكويت يرن الجرس معلنا عن انتهاء الفسحة , التفت للجهة الأخرى , أرى مروان ينظر لي بعطف , أنظر له بأسى , أصعد معه وأعده بأن نتحدث معا  بعد انتهاء اليوم الدراسي.
أدخل الفصل وأنا ألتهم البسكويت على عجل , تبدأ حصة اللغة الانجليزية التي أحبها فأجد نفسي منجذبة لشرح المدرسة لمسرحية الملك لير لشكسبير , اتعجب من حماقة الملك لير التي جعلته يطرد ابنته الصغرى من مملكته لأنها لم تنافقه مثل أختيها.
تنتهي حصة اللغة الانجليزية وتبدأ حصة العلوم , ولأني لا أحب العلوم أجد نفسي عاجزة عن التركيز في الدرس ,هذه المرة أسرح في تخمين الطعام الذي سأتناوله على الغداء, يرن جرس الانصراف وينتهي اليوم الدراسي , أخرج من الفصل وأنزل إلى الفناء , أجول بعيني بحثا عن مروان ولكني لا أجده , بعد أن اجتاز بوابة المدرسة أسمعه يهتف باسمي فالتفت للوراء وابتسم له , يسير بجواري ويسألني عن أحوالي, اتلعثم وأنا أقول له أنني على ما يرام , قبل أن يبدأ في الحديث معي اجد مشرفة الاتوبيس تنادي علي وتطلب مني الصعود لأن الاتوبيس على وشك التحرك, أرى الإحباط يتحول إلى جزء أساسي من ملامح مروان, لا أملك إلا أن أودعه على أمل لقاء آخر غدا .
أصعد إلى الاتوبيس, أجلس في مقعدي بجوار النافذة  بينما يشق الأتوبيس طريقه في زحام الظهيرة , يقترب الاتوبيس من منزلي فأنهض من مقعدي استعدادا للنزول , ابحث عن حقيبتي أشعر بالقلق عندما لا أجدها , افتش تحت مقعدي , أسأل كل الطلبة الراكبين ومشرفة الاتوبيس عن الحقيقة فيهزون رؤوسهم مؤكدين أنهم لم يروها ,   تأمرني المشرفة بالنزول ولكني أرفض التحرك  قبل أن أجد الحقيبة , تتسارع دقات قلبي  خوفا وأهتف " شنطي فين ؟" .
يرد علي أحدهم " شنطك اكلتها القطة ". يضحك باقي الطلبة بينما تنهمر الدموع من عيني , أظل اصيح وابكي , أسمع صوت هادئ يهمس في أذني " توقفي عن البكاء ولا تأخذي الأمر على محمل الجد , انه مجرد حُلم ".
تتسارع دقات قلبي وانتفض ثم افتح عيني,  ألهث والتقط أنفاسي بصعوبة التفت يمينا ويسارا, أجد نفسي مستلقية على ظهري في غرفة  واسعة بمفردي, أشعر بالدموع تبلل وجهي والألم يسري في جسدي, ادير رأسي لليمين فأرى صورتي منعكسة في مرآة كبيرة , أنظر إلى نفسي ,  أشعر بالصدمة  عندما أرى امرأة في منتصف العمر تبادلني النظرات , استغرب عندما أرى وجهي منتفخًا وشعري مهوشًا وعينى ذابلتين.
أعجز عن تقبل أن ما كل ما  رأيته وعايشته وعانيت منه  كان مجرد حلم  لن يؤدي إلى أي شيء, إذا كان حقا مجرد حُلم فلماذا لازلت ألهث من الركض ؟ ولماذا لا زلت أشعر بالألم في يدي ؟ , وإذا كان الحُلم طويل وحي لهذه الدرجة فما الفرق بينه وبين الواقع؟
لماذا لا  يكون وجودي في هذا الفراش بمفردي هو الحُلم ووجودي في  المدرسة هو الواقع ؟.
بعد أن هدأت أعصابي شعرت بالامتنان لأني لن أعود لمعاناة المدرسة. قررت أن استكمل نومي على أمل ألا أرى أي أحلام أخرى طويلة ومفزعة, لكن بعد أن أغمضت عيني وجدت نفسي أسير في الجامعة.

1 تعليقات

  1. تملكين القدره على الحكى بأستفاضه . بعض الفقرات ليس لها داعى غير الحشو الذى ليس له لزوم . أسلوبك جذاب بدرجه جيده. حاولى النشر فى المواقع والجرائد . تحياتى

    ردحذف

رأيك يهمني اترك تعليقك على ما قرأته