الكتابة مهنة شاقة حقا والدليل على هذا أن بعض كتابنا يقومون بمعجزات لا يستطيعها كاتب من الشرق أو من الغرب ,  أو ليست معجزة أن تظل تكتب كل يوم أو كل أسبوع ولمدة 10 سنوات أو ربما 20 دون أن تقول للناس شيئا‏؟ ,  إنها لقدرة خارقة فعلا أن تكتب دون ان تكتب أن تقول كثيرا دون أن تقول شيئا , أن تصر على أن تظل صاحب قلم وأحيانا صاحب مبادئ دون أن يخطئ قلمك مرة ويأتي برأي مفيد‏ أو بوجهة نظر تورطك في قضية أو  اتجاه
إنها لعبة تشبه المشي على السلك المعلق على السيرك
كل ما في الأمر أن لاعب السيرك يسير أمام عينيك فعلا
إنما لاعب القلم فيمثل أمامك بدقة متناهية وبتقمص زائد أنه أمامك يسير دون أن يسير
.
هذا المقطع من مقال مهم  للأديب الكبير يوسف إدريس بعنوان أهمية  أن نتثقف يا ناس   ,رغم أن هذا المقال نشر في منتصف الثمانينات  إلا أنه   للأسف لازال يعبر بدقة  عن واقعنا الفكري والثقافي الذي  ازداد تدهورا وانحدارا  عن السابق وتخلى فيه الكاتب عن دوره في التوعية والتثقيف وإيقاظ العقول وصار عمله أشبه بعمل البهلوانات ولاعبي الأكروبات في السيرك  , لا عجب أن صفحات الجرائد اليوم  تكاد  تخلو من المقالات العميقة التي  تزيد  من ثقافة القارئ  أو تحفزه على التفكير , فالكتاب الموجودين حاليا  ينقسمون  إلى ثلاثة أنواع :
 النوع الأول هم كتاب السلطة , الكتاب 
  المتخصصين في  الموالسة والتأييد والتصفيق والتهليل والتبرير و  لقد عبر الأديب يوسف إدريس عن هؤلاء الكتاب  من خلال مسرحية البهلوان التي صور فيها رئيس تحرير جريدة   وصل إلى منصبه  بفضل  قدرته على اللعب على كل الحبال وضبط مقاس رأيه على هوى السلطة  والكتابة حسب تعليمات المسئولين   ,لكن اضطراره إلى الكذب والخداع طوال الوقت سبب له أزمة نفسية دفعته إلى العمل  بالليل كبهلوان في سيرك حتى يشعر  بالتوازن الداخلي.

النوع الثاني   هم الكتاب الذين لا يجيدون فنون النفاق والكذب والخداع  ولكنهم لا يستطيعون  التعبير عن أراءهم  بصراحة حفاظا على وظائفهم ومصالحهم,  لذلك يضطرون أيضا  إلى اللعب في السيرك و السير على الحبل المعلق,  فيحاولون التعبير عن أراءهم   بالرمز والتلميح أو   يلفون ويدورون كثيرا بدون إيضاح رأيهم  حتى لا يؤخذ عليهم موقف واضح يورطهم ويسبب لهم المشاكل  ,وعندما يعجرون عن السير فوق الحبل   يلوذون  بالصمت  ويتظاهرون أنهم يعيشون في دولة أخرى ويتحولون إلى الكتابة في موضوعات تافهة أو الحديث عن ذكريات طفولتهم  .
 النوع الثالث هم  أصحاب الأقلام الجريئة  الذين يرفضون اللعب في السيرك لأنهم  يأخذون دورهم الفكري على محمل الجدية ويرفضون بيع أقلامهم  بأعلى سعر  ويصرون على قول الحقيقة  كما يرونها  مهما كلفهم الأمر,  هؤلاء الكتاب عادة ما يدفعون ثمنا غاليا مقابل تمسكهم بحقهم في التعبير عن أراءهم  فتقصف أقلامهم وتخرس أصواتهم ويتعرضون لحملات تشويه وتشنيع  حتى يضطروا إلى  الصمت.
إذا نظرنا إلى الأنواع الثلاثة سنجد أن الكتاب البهلوانات  هم الأشهر  والأكثر نفوذا  والأعلى صوتا والأكثر قدرة تأثيرا على الرأي العام , قد تبدو وظيفة الكتاب البهلوانات سهلة ولكنها في الحقيقة  شديدة الصعوبة  لأنها تحتاج إلى ذكاء ومهارة فائقة في الخداع  وتمثيل الاستقلال الفكري والدعاية للسلطة بشكل غير مباشر عن طريق  دس السم في العسل,  إن  كثير من الكتاب البهلوانات يتمتعون بموهبة حقيقة  وثقافة واسعة تمكنهم من استخدام جميع الحجج المنطقية  لتبرير مواقفهم  , كما أنهم جميعا يتمتعون بقدرة فائقة على " التفكير الازدواجي " , هذا  المصطلح  اخترعه  الكاتب الانجليزي جورج أورويل في روايته الخالدة 1984 , التي  تخيل فيها  أن بريطانيا تحولت إلى  دولة شمولية يحكمها حزب واحد رئيسه يدعى الأخ الكبير يراقب الناس ويرصد تحركاتهم ويتحكم في كل تصرفاتهم ويحرم عليهم التفكير ويخدعهم ويجبرهم على ابتلاع الأكاذيب والتفوه بها  ,التفكير الازدواجي كما عرفه  جورج أورويل في الرواية هو  
أن تعرف وأن لا تعرف , أن تعي الحقيقة ومع ذلك لا تفتأ أن تقص أكاذيب محكمة  
البناء , أن تؤمن برأيين في آن وأنت  
تعرف أنهما لا يجتمعان ومع ذلك تصدق 
بهما , أن تجهض المنطق بالمنطق , أنت 
ترفض الالتزام بالأخلاق فيما أنت واحد من  
الداعين إليها , أن تعتقد أن الديمقراطية 
ضرب من المستحيل وأن الحزب وصي عليها , أن تنسى كل ما عليك نسيانه ثم تستحضره في الذاكرة حينما تمس الحاجة 
إليه ثم تنساه مرة ثانية فورا , وفوق كل  
ذلك تطبق الأسلوب نفسه على الحالتين .
لو قرأت مقالات  الكتاب البهلوانات ستكتشف أن 
هذا التعريف ينطبق عليهم بالحرف ,   إنهم يتمتعون  بقدرة سحرية على  الانتقال من رأي معين إلى عكسه بخفة ورشاقة مثل لاعبي الأكروبات ,   يتحدثون عن  الاستقرار ثم  يؤيدون الحرب ,  يتحدثون عن الحرية ثم  يدافعون  عن  قانون التظاهر ,  يمجدون في ثورة يناير ثم  يتهمون الثوار بالعمالة,  يتهمون أمريكا بالتآمر على مصر ثم يطالبونها بمساعدة مصر في الحرب على الإرهاب, وهم قادرين على التبرؤ من أراءهم السابقة في أي لحظة و إقناع الناس بمنطقية  كل رأي يتبنونه.
إنهم جزء لا يتجرأ من أي نظام  ديكتاتوري , إنهم يلعبون دورهم خطيرا في خداع الناس وتزييف إرادتهم وإقناعهم بجميع الخرافات السياسية التي تريد السلطة إيصالها لهم ,   الحرية تؤدي إلى الفوضى , الصبر والتقشف هو الحل ,  الديمقراطية ليست صالحة  للتطبيق في مصر, الوطنية تعني تأييد الحاكم والالتفاف حول قراراته ,  قمع المعارضة وحبس الثوار  و غض الطرف عن أخطاء السلطة سيؤدي بنا إلى الاستقرار وسيجنبنا  مصير سوريا والعراق وليبيا
  المأساة أن كثير من الناس يصدقونهم ويستمدون منهم المعلومات   لأنهم أصحاب صوت  عالي و ممثلين بارعين في التظاهر بالوطنية بل أنهم يحتكرون توزيع  صكوك الوطنية على المعارضين كيفما شاءوا  في حين أنهم دائما يكونون أول الهاربين من سفينة أي حاكم في حال سقوطه  وموقفهم من نظام مبارك خير دليل على ذلك,  سيتغير الحكام الجالسون على عرش مصر ولكن الكاتب البهلوانات سيبقون  في أماكنهم  يعبثون بالعقول وينشرون الأكاذيب ويصفقون للحاكم أي كان , ولن يرحلوا إلا برحيل الاستبداد من الوطن.

0 تعليقات